الشيخ محمد علي الأنصاري

487

الموسوعة الفقهية الميسرة

الموضوع ؛ لأنّ إرادة المولى الحقيقيّة لا أثر لها في محرّكية العبد ما لم تصل إليه ، فتكون إرادة المولى بوجودها العلمي عندئذ هي المحرّكة له ، لا الإرادة بوجودها الواقعي . هذا من جهة ، ومن جهة أخرى أنّ المناط في استحقاق العقاب عند العقل هو القبح الفاعلي الناشئ من العلم بالمخالفة والمعصية ، ولا أثر للقبح الفاعلي المجرّد عن ذلك . ثمّ ناقش ذلك : أوّلا - بأنّ العلم الدخيل في المستقلّات العقليّة إنّما هو العلم المطابق للواقع ، لا الأعمّ منه ، لأنّ غير المطابق جهل وليس علما ، والعلم المؤثّر إنّما هو الكاشف عن الإرادة الحقيقيّة للمولى ، وفي مورد التجرّي لم يحصل مثل هذا العلم . ثانيا - أنّ المناط في استحقاق العقاب عند العقل وإن كان هو القبح الفاعلي ، لكن لا مطلق القبح الفاعلي حتى الحاصل من خبث السريرة ، بل القبح الفاعلي الذي تولّد قبحه من القبح الفعلي ، والمفروض عدم وجود القبح الفعلي في التجرّي « 1 » . الجهة الرابعة - دعوى حرمة التجرّي من جهة قيام الإجماع ، ودلالة الأخبار عليها : حرّر أوّلا معقد الإجماع وما يمكن أن يكون مجمعا عليه ، وتوصّل إلى أنّه ليس هو إلّا القصد المقرون بالجري العملي على طبقه ، وهو حصيلة الجمع بين الأخبار الدالّة على عدم المؤاخذة على قصد السوء والأخبار الدالّة على المؤاخذة عليها ، بحمل الأولى على مجرّد القصد ، والثانية على القصد المقرون بالجري العملي ، ثمّ قال : « وليس في الأخبار ما يمكن أن يكون شاهدا على ذلك » . وأمّا بالنسبة إلى الإجماع ، فقال : « . . . فإنّه لم ينعقد الإجماع على حرمة القصد الذي يكون له مظهر ولا ادّعاه أحد » . ثمّ ذكر الموردين اللذين ادّعي قيام الإجماع عليهما ، كما سبق ، وهما : « من ظنّ ضيق الوقت وأخّر الصلاة ثمّ تبيّن الخلاف وسعة الوقت » ، و « من سلك طريقا مظنون الضرر » حيث ادّعي الاجماع على عصيان الفاعل في الموردين . ثمّ ناقش الموردين : أمّا الأوّل - فلأنّ خوف الضيق هو الموضوع لوجوب المبادرة إلى الصلاة شرعا ، ويكون وجوب المبادرة نفسيّا ، لا طريقيّا إرشاديّا ، ومخالفة الوجوب النفسي معصية . وأمّا الثاني - فلخروجه عن التجرّي موضوعا ، لأنّ حكم العقل في باب الضرر إنّما هو بمناط قبح الإقدام على ما لا يؤمن معه من الضرر ، وهو حاصل في الطريق المظنون الضرر ، ولا دخل

--> ( 1 ) انظر فوائد الأصول 3 : 46 - 50 .